السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

104

مختصر الميزان في تفسير القرآن

أمرهم هذا مفتونون بفتنة إلهية ، فلتطب نفس النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بأن الأمر من اللّه واليه وليس يملك منه تعالى شيء في دلك ، ولا موجب للتحزن فيما لا سبيل إلى التخلص منه . وقوله : « أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ » فقلوبهم باقية على قذارتها الأولية لما تكرر منهم من الفسق بعد الفسق فأضلهم اللّه به ، وما يضل به إلا الفاسقين . وقوله : « لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ » إيعاد لهم بالخزي في الدنيا وقد فعل بهم ، وبالعذاب العظيم في الآخرة . قوله تعالى : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قال الراغب في المفردات : السحت القشر الذي يستأصل ، قال تعالى : « فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ » وقرئ : فيسحتكم ( أي بفتح الياء ) يقال : سحته وأسحته ، ومنه السحت للمحظور الذي يلزم صاحبه العار كأنه يسحت دينه ومروءته ، قال تعالى : « أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ » أي لما يسحت دينهم ، وقال عليه السّلام كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به ، وسمي الرشوة سحتا . انتهى . فكل مال اكتسب من حرام فهو سحت ، والسياق يدل على أن المراد بالسحت في الآية هو الرشا ويتبين من إيراد هذا الوصف في المقام أن علماءهم الذين بعثوا طائفة منهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم كانوا قد أخذوا في الواقعة رشوة لتحريف حكم اللّه فقد كان الحكم مما يمكن أن يتضرر به بعضه فسد الباب بالرشوة ، فأخذوا الرشوة وغيروا حكم اللّه تعالى . ومن هنا يظهر أن قوله تعالى : « سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ » باعتبار المجموع وصف لمجموع القوم ، وأما بحسب التوزيع فقوله « سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ » وصف لقوله « الَّذِينَ هادُوا » وهم المبعوثون إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ومن في حكمهم من التابعين ، وقوله : « أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ » وصف لقوم آخرين ، والمحصل أن اليهود منهم علماء يأكلون الرشى ، وعامة مقلدون سماعون لأكاذيبهم . قوله تعالى : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ إلى آخر الآية ؛